عرفت جميع المجتمعات أشكالا من السلطة السياسية بما وفر لها من خلال هذه السلطة نوعا من الاستخدام المنظم للقهر، حماية للجماعة من الانفراط وتحقيقا للنظام والاستقرار داخلها بعيدا عن الصراعات الفئوية أو الطبقية، فضلا عن الحماية من المخاطر الخارجية، وقد تطورت أشكال هذه السلطة السياسية عبر الزمن وصولا إلى الدولة، التى تعنى فى جوهرها السلطة السياسية المنظمة الخاضعة للقانون، وتتميز الدولة كشكل من أشكال السلطة السياسية عن أشكال السلطة السياسية السابقة بأهدافها والوسائل المستخدمة لتحقيق هذه الأهداف، فضلا عن الاعتراف لها بحدود إقليمية تتمتع داخلها بالسيادة المطلقة، أما أهداف الدولة فهى أساسا حفظ الأمن والاستقرار لأبنائها وإقامة العدل، وتحقيق التقدم الاقتصادى والعدالة الاجتماعية.
ولقد برز مفهوم الدولة الحديث بتوقيع معاهدة وستفاليا عام 1648، حيث ظهرت الدولة الأمة أو الدولة القومية التى تمارس السلطة رأسيا من أعلى إلى أسفل، فى نطاق ترابها الوطنى أى حدودها الإقليمية، وعلى مجموعة من البشر متجانسة نسبيا تسمى الأمة، وهكذا أصبح من الممكن تنمية أسواق وطنية أتاحت إجراء تحسين كبير فى حياة المواطنين فى الدولة المعنية ومع قيام الدولة الأمة تم الانتقال إلى أسواق أقل عددا وأوسع نطاقا من الناحية الجغرافية، وبهذا حدث نوع من أنواع التلافى بين التطور السياسى للدولة الأمة والتطورات الموازية فى الأنشطة الأساسية الأخرى كالنشاط الاقتصادى، فالنفوذ الأفقى للسوق الاقتصادى يخضع للسلطة الرأسية للدولة الأمة، خالقا نوعا من التوازن، إلا أن العولمة كان لها آثارها على هذا الوضع الذى استقر لسنوات طويلة، فمن خلال العولمة يحل تدريجيا النفوذ الأفقى للسوق محل القدرة الرأسية للدولة.